عبد الشافى محمد عبد اللطيف
175
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
* الحرب المشروعة في الإسلام : بيّنّا في الصفحات السابقة أن السلام هو الأصل والقاعدة في علاقات الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم ، وأن الحرب هي الاستثناء ، أو هي الضرورة التي لا يلجأ إليها إلا عند مقتضياتها المشروعة ، كما يجب حصرها في نطاق هذه المقتضيات دون التوسع فيها ، فالحرب في حد ذاتها ليست غاية ؛ إنما هي وسيلة لتحقيق أسمى الغايات وهو السلام ، ونريد الآن أن نبيّن مقتضيات الحرب المشروعة في الإسلام . فالإسلام بما أنه عقيدة عالمية ، ورسالة إلهية تحمل الخير والسعادة لكل البشر على وجه الأرض ؛ فقد كان من المتوقع أن يقاومه ويصد الناس عنه أشرار الأرض وطغاتها . فالتاريخ يدلنا على أنه لم تسلم دعوة دينية من مقاومة الأشرار والطغاة لها ، ووقوفهم بكل قوة في طريقها . وقد واجه الإسلام هذا الموقف ، فقد وقفت قريش بكل جبروتها وطغيانها موقف العداء السافر للإسلام ورسول الإسلام ، وظل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة وهو يحاول جهده وبكل وسيلة أن يثني قريشا عن طريق الإسلام فلم تستجب ، وأخيرا تامرت على حياته وأجبرته وأصحابه على أن يهاجروا من مكة إلى يثرب - المدينة المنورة - وكان هذا غاية الظلم والاضطهاد من جانب قريش ، ولم تكتف بهذا بل استمرت في أساليبها الاستفزازية للمسلمين في مهاجرهم الجديد ؛ لذلك لم يكن أمام المسلمين إلا أن يواجهوا القوة بالقوة ؛ لأن الدعوة بالحسنى هنا لا تجدي وليس هذا مكانها ، فما دام الطغاة قد صموا آذانهم عن سماع الحق فلا بد من معاملتهم بأسلوب آخر يضع حدّا لغطرستهم وجبروتهم والواقع أن الإسلام كان يتوقع هذا الموقف من قريش وغيرها ، وكان يتوقع أنه قد يضطر لاستخدام القوة لإزالة العقبات من طريقه ، إلا أنه مع كل هذا ظل دائما ينظر إلى الحرب على أنها ضرورة ، ولم يبحها إلا عند مقتضياتها المشروعة . ومقتضيات الحرب أو مسوغاتها المشروعة في نظر الإسلام لا تخرج عن واحدة من ثلاث حالات « 1 » . الحالة الأولى : الدفاع عن النفس ، كما تصورها الآية الكريمة : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
--> ( 1 ) انظر : سيد قطب - السلام العالمي والإسلام ( ص 74 ) ، وسيد سابق - عناصر القوة في الإسلام ( ص 210 ، 211 ) ود . دراز - دراسات إسلامية ( ص 142 ) ، ود . محمد البهي - الدين والدولة ( ص 478 ) ، والدكتور وهبه الزحيلي - آثار الحرب في الفقه الإسلامي ( ص 93 ، 94 ) .